Posted by: mustaf2 | ديسمبر 24, 2009

محرقة غزة متواصلة

محرقة غزة متواصلة / رائد لافي / دار الخليج / 24/12/2009

مع حلول الذكرى السنوية الأولى للحرب “الإسرائيلية” الدموية والتدميرية ضد قطاع غزة، لا يبدو أن الأفق المنظور يحمل للفلسطينيين انفراجاً ومخرجاً من أزمتهم الداخلية، بل على النقيض تماماً فإن كل المؤشرات تدلل على أن مشوارهم مع المعاناة لا يزال طويلاً، فالمصالحة الوطنية تعاني جموداً، والحصار يزداد شدة مع تنامي المعلومات عن شروع مصر في بناء جدار فولاذي من شأنه القضاء على ظاهرة أنفاق التهريب التي تشكل متنفساً لسكان غزة يتزودون منها بسلع وبضائع تمنع سلطات الاحتلال تزويدهم بها، ومستقبل إعادة الإعمار لا يزال مجهولاً أمام آلاف الفلسطينيين المشردين الذين فقدوا منازلهم وممتلكاتهم خلال الحرب.

الحرب على غزة لم تنته بعد، ولا تزال آثارها التدميرية على صحة الانسان والبيئة تتكشف كل يوم، بعدما أكدت منظمة حقوقية فلسطينية بروز ظواهر خطيرة وغير طبيعية في قطاع غزة مثل ارتفاع عدد المواليد المشوهين ومعدلات الإجهاض المبكر ونسب الإصابة بالأمراض السرطانية، بسبب استخدام جيش الاحتلال أسلحة محتوية على موادَ سامة ومشعة خلال الحرب.

وتقول مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان إن الأوضاع الصحية والبيئية في القطاع تزداد سوءاً يومًا بعد يوم كنتاج للحرب “الإسرائيلية” ومواصلة إغلاق سلطات الاحتلال المعابر وحدود القطاع للعام الثالث على التوالي، وبسبب آثار الحرب وما استخدمه جيش الاحتلال من أسلحة محرمة دولياً لا تزال صحة مليون ونصف المليون فلسطيني في القطاع معرضة للتأثر بها في أية لحظة، إضافة إلى تلوث جميع مكونات البيئة الأساسية من مياه وتربة وهواء، التي تعاني من تدهور خطير أصلاً من جراء بقاء المواد السامة في تربة القطاع وهوائه واستنشاق المواطنين إياها بشكل يومي.

وتعتقد مؤسسة الضمير أن احتمال دخول المواد السامة أجسام المواطنين لا يزال ممكناً في أية لحظة عن طريق السلسلة الغذائية، بعد تناولهم المزروعات التي من الممكن أن تكون قد تلوثت بتلك المواد؛ الأمر الذي ينتهك أهم الحقوق الإنسانية للمواطنين، وهو الحق في الحياة، والحق في الصحة، وحق العيش في بيئة صحية ونظيفة.

ويندرج ما كشف عنه باحثون ايطاليون قبل بضعة أيام في سياق تداعيات الحرب “الإسرائيلية” المدمرة على القطاع، إذ أكد هؤلاء الباحثون أن تربة القطاع تحتوي على معادن سامة ومواد مسرطنة وسامة للأجنة بسبب امتصاصها لهذه المواد السامة الناتجة عن الأسلحة التي استخدمتها قوات الاحتلال بكميات كبيرة خلال الحرب.

وخلص الباحثون الايطاليون بعد عام من التحقيق وفحص المواد السامة والمقارنة بين عينات من تربة غزة قبل الحرب وبعدها، إلى التحذير من احتمالية الانتشار الواسع لتلوث التربة، وخطرها الشديد على المشردين الذين يعيشون في مناطق تعرضت للقصف المكثف، الأمر الذي يجعلهم معرضين للاصابة بأمراض مزمنة للجلد وأمراض الجهاز الهضمي والتنفسي.

ولعل أخطر ما تضمنته نتيجة دراسة وأبحاث الخبراء الايطاليين أن الأسلحة التي استخدمتها قوات الاحتلال “الإسرائيلي” في الحرب لا تترك آثاراً مرئية ترى بالعين المجردة ولا بالأجهزة الموجودة في مستشفيات قطاع غزة، وبالتالي يصبح التعرف إليها مستحيلاً.

ويبدو أن قوات الاحتلال “الإسرائيلي” لم تكتف بما أوقعته آلتها الحربية من ضحايا خلال الحرب، بل سعت عن قصد إلى تدمير المستقبل في غزة، وهذا ما أكده الباحثون الايطاليون الذين اكتشفوا من بين المواد السامة التي خلفتها الأسلحة والقذائف “الإسرائيلية” مادة “المولبيديوم”، وهي عنصر سام للحيوانات المنوية، ووجود مستويات عالية منها يؤثر في الخصوبة وفي تكوين الحيوانات المنوية، ومادة “الكادميوم” المسببة للسرطان، ومادة “التنجستين” وهي عنصر سام للأجنة، ووجود تركيزات منخفضة منه يسبب أمراضاً في الجهازين العصبي والتنفسي، إضافة إلى مواد الكوبالت والنيكل والمنجنيز والنحاس والزنك والأسترونتيوم وجميعها مواد خطيرة.

إن استخدام الاحتلال “الإسرائيلي” لأسلحة محرمة تحتوي على كل هذه المواد السامة، التي تهدف من ورائها بما لا يدع مجالاً للشك إبادة الأجيال القادمة من خلال تسميم الأجنة والتربة.

وتشتكي الحكومة المقالة التي تقودها حركة “حماس” في غزة من عدم امتلاكها الأدوات والأجهزة المناسبة المطلوبة لتشخيص هذه المواد السامة وما خلفته أسلحة الدمار “الإسرائيلية” والأمراض الناتجة عنها، الأمر الذي يستدعي من المجتمع الدولي إرسال خبراء مختصين للكشف عما تبقى من أركان الجريمة “الإسرائيلية”.

وتبقى معاناة المشردين الأشد ألماً، بعدما طال انتظارهم لتنفيذ المجتمع الدولي تعهداته بإعادة الإعمار التي قطعها على نفسه في مؤتمر شرم الشيخ في مارس/ آذار ،2009 أي بعد الحرب بأسابيع قليلة، من دون أن يرى المشردون هذه التعهدات واقعاً ملموساً، يستعيدون معها منازلهم وممتلكاتهم المدمرة.

ويبدي المشردون خشية شديدة من طول أمد معاناتهم بسبب الاشتراطات السياسية التي وضعها المجتمع الدولي للشروع في عملية الإعمار ورفضه أي تدخل في العملية من جانب الحكومة التي تقودها حركة “حماس”، فضلاً عن منع سلطات الاحتلال “الإسرائيلي” إدخال مواد ومستلزمات البناء للقطاع منذ نحو ثلاثة أعوام.

وفي ظل هذا الواقع المرير، جاء مخطط وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” لبناء مساكن طينية كبديل للمساكن التي دمرها الاحتلال “الإسرائيلي”، وقد استهلت “أونروا” هذا المخطط بمنزل سملته لفلسطيني من عائلة العثامنة تعرض منزله للتدمير مرتين، وهو المخطط الذي ينظر إليه المشردون كؤشر لإطالة أمد الحصار المفروض على القطاع.

وقال الكاتب والناشط في حقوق الانسان مصطفى إبراهيم إن تسليم “أونروا” للمنزل الطيني الأول من بين 120 منزلاً تعهدت جمعية الهلال الأحمر الاماراتي بتمويل بنائها، وتكلف من 10 إلى 12 ألف دولار للمنزل الواحد، يتزامن مع الذكرى السنوية ال 62 للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهي الذكرى التي تعهد الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون على هامش الاحتفال بها التزام الأمم المتحدة بالدفاع عن حقوق الإنسان في العالم.

الفلسطينيون كباقي شعوب العالم احتفلوا باليوم العالمي لحقوق الإنسان إيماناً منهم بعدالة قضيتهم، وحقهم في تقرير مصيرهم والتمتع بمستوى معيشي لائق، من المسكن والملبس وغيرها من الحقوق الأساسية للإنسان والمحرومين منها، وينتظرون من الأمين العام الالتزام بما أعلنه من الدفاع عن حقوق الإنسان في العالم.

مضى عام على الحرب “الإسرائيلية” وما تبعها من تعهد دولي بإعادة إعمار ما دمرته هذه الحرب، لكن عملية الإعمار لا تزال “مجمدة” بسبب الشروط والإملاءات الأمريكية والأوروبية، فيما حوالي مائة ألف فلسطيني مشردون بلا مأوى، والأمم المتحدة وهي أحد الأعضاء الأربعة إلى جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا في اللجنة الرباعية الدولية، تشارك في الحصار المفروض على القطاع، بدلاً من الضغط على دولة الاحتلال كي توفي بالتزاماتها التي ينص عليها القانون الدولي كدولة محتلة.

ويرى إبراهيم أن الأمم المتحدة لم تكتف بالمشاركة في فرض الحصار على غزة بل تشارك في إطالة أمده أيضاً من خلال قيامها بمشاريع إعادة إعمار مؤقتة تبنى من الطين وتزيد من أعباء الفلسطينيين الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والمادية.

وقال: إن قيام “أونروا” بتقديم طلبات لتمويل مشاريع بناء مساكن من الطين يزيد من مشاكل الفلسطينيين، فقد حذر القطاع الخاص الفلسطيني في قطاع غزة من الاستمرار في بناء تلك المساكن لما يشكله ذلك من خطر كبير على الفلسطينيين. إذ إن الأخطار السياسية والاقتصادية والبيئية والزراعية لبناء تلك المساكن اكبر بكثير من الفائدة التي ستعود على الفلسطينيين، وان بناء مئات أو حتى آلاف الوحدات السكنية من الطين لن يحل مشكلة إعادة الإعمار، فالأخطار المحدقة بالمشروع كبيرة وإعادة الإعمار ليست مرتبطة ببناء مساكن فقط، فإعادة الإعمار يجب أن تكون عملية شاملة لكل القطاعات الإسكانية والاقتصادية والبنية التحتية، والمؤسسات الحكومية.

إن “أونروا” ليست الجهة الوحيدة المكلفة بإعادة الإعمار، فإعادة الإعمار يجب أن تكون من خلال هيئة وطنية عليا من الكل الفلسطيني، وليست “أونروا” وحدها المسؤولة عن إعادة الإعمار وهي إحدى الوكالات التابعة للأمم المتحدة والتي هي جزء أصيل من اللجنة الرباعية الدولية التي تفرض الحصار على القطاع عقاباً للشعب الفلسطيني على خياره الديمقراطي، ورفض حركة “حماس” التعاطي مع الشروط الدولية التي تتضمن اعترافاً بدولة الاحتلال.

ويشدد إبراهيم على أن الأمم المتحدة مطالبة باتخاذ موقف واضح وصريح من فرض الحصار على قطاع غزة، وممارسة ضغط حقيقي على “إسرائيل” لرفع الحصار وفتح المعابر والسماح بإدخال مواد البناء، ولا تساعد في إطالة أمد الحصار من خلال القيام بمشاريع مؤقتة تؤثر سلباً في حياة الفلسطينيين، وستسهم في قضم آلاف الدونمات الزراعية إذ إن تلك المساكن تحتاج إلى المواد الخام، والطين مكون أساسي للبناء، وعملية الحصول عليه سوف يكون على حساب الأراضي الزراعية المحدودة أصلاً، وكذلك الاسمنت الذي ستحصل عليه “أونروا” سيكون مهرباً من الأنفاق، بالإضافة إلى بعض المواد التي تدخل في عملية البناء كالنوافذ والأبواب والزجاج والأدوات الصحية.

وهنا يتساءل إبراهيم: لماذا لا تطلب “أونروا” من مصر أن تسمح لها بإدخال الإسمنت ومواد البناء بشكل رسمي من معبر رفح بغية إعادة إعمار منشآتها ومنازل اللاجئين المعدمين التي تعرضت للتدمير خلال الحرب؟، معتقداً أن مصر لن تمانع بإدخال مواد بناء وإسمنت إلى “أونروا” لكنها لم تطلب ذلك.

إن مشاريع بيوت الطين تطيل من عمر الحصار وتعتبر استمراراً للملهاة المأساة التي يعيشها الفلسطينيون في قطاع غزة، ما يؤشر إلى أن المجتمع الدولي سوف يستمر في ذلك إلى ما لا نهاية، والمطلوب من الأمم المتحدة الانسحاب من اللجنة الرباعية الدولية لتلعب دوراً محايداً في نشر السلم والأمن الدولي، ولا تكون طرفاً في فرض الحصار على الفلسطينيين، وعليها ممارسة الضغط على المجتمع الدولي ورفع الحصار فوراً، وفتح المعابر.

يكفي غزة ما تعانيه من قهر واضطهاد وضغوط بسبب الحصار، وهي في غنى عن الجدار الفولاذي الذي تبنيه مصر على حدودها مع القطاع، من أجل القضاء على أنفاق التهريب المنتشرة على الحدود. إن القضاء على هذه الأنفاق لا يحتاج إلى جدار في حال تم رفع الحصار، وبالتالي لن يكون للفلسطينيين بها حاجة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: