Posted by: mustaf2 | سبتمبر 23, 2009

فصل المقال فيما يجب أن يقال

فصل المقال فيما يجب أن يقال/ عصام يونس

24/9/2009

كان للانقسام السياسي، ولم يزل، تأثيرات خطيرة على وحدة الشعب الفلسطيني ووحدة أراضية وهويته، وفوق كل ذلك حقوقه المشروعة والمشروع الوطني ، خصوصا وأنه حصل في وقت لا يزال فيه الاحتلال جاثماً على صدره يمارس أبشع أشكال القهر والظلم والتهويد والتقسيم.

لقد أعطى الانقسام للاحتلال فرصة غير مسبوقة لتغيير حقائق الواقع من خلال حملته المحمومة التي تسابق الزمن لتوسيع الاستيطان في القدس والضفة الغربية، كما أضعف الموقف الفلسطيني بشكل خطير وأظهر هشاشة النظام السياسي الفلسطيني وانكشافه بشكل يعرضه إلى كارثة حقيقية في قادم الأيام إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه. ويأتي الانقسام في ظل حصار مشدد وغير مسبوق على قطاع غزة طالت تأثيراته مختلف مناحي حياة المجتمع الفلسطيني ونتج عنه، من بين أشياء أخرى، اعتماد 85 % من عائلات القطاع على المساعدات الانسانية المباشرة من منظمات الاغاثة الانسانية وتدهور خطير في الجوانب الانسانية والاجتماعية والصحية والتعليمية وغيرها.

إن الحصار المفروض على القطاع، ناهيك عن أنه عقاب جماعي يطال القطاع وسكانه، فإنه يمثل عملية تخليف واعية ليست فقط توقف القطاع عند فترة زمنية معينة بفعل عزله عن العالم ومنع وصول ما يحتاج اليه، بل تدفع القطاع عشرات السنين للوراء بما يجعله عصياً على التنمية.

واداركاً لخطورة الانقسام وتأثيراته وما ينطوي عليه من مخاطر جدية على وحدة الفلسطينيين شعباً وأرضاً ونظاماً سياسياً فقد بادرت أطراف كثيرة لوضع حد لهذا العبث السياسي الخطير ومن بينها مبادرات للفصائل وفاعلين من الشخصيات المستقلة في المجتمع ودول عدة من أهمها وأبرزها مصر، والنتيجة حتى هذه اللحظة وبالملموس تاوي صفراً، وكأن طرفي الصراع في حال من غياب الوعي غير مدركين للمخاطر الجدية لاستمرار الانقسام أو أنهما في كامل الوعي يلعبان بعنصر الوقت للاجهاز على كل الشرعيات في النظام السياسي غير آبهين بما يعانيه المواطنون أو برغباتهم في انهاء الانقسام وإعادة الاعتبار للفلسطينين شعبا وقضية.

إن ما يمر به الشعب الفلسطيني من هذيان سياسي هو أقصى ما يمكن أن يمر به شعب لايزال تحت احتلال، وعليه فالمنتصر من الطرفين هو في حقيقة الأمر مهزوم.

إن الحال السياسية القائمة محكومة بعقلية القبيلة، حيث يتمثل جوهرها في معظم الأحوال في الفعل ورد الفعل ومن يدفع الثمن في النهاية في هذا السجال العقيم هو المواطن.

كثيرة هي المحاولات وكثر هم من يحاولون الدفع نحو حال فاعلة تستجيب لمطالب المواطنين وتسهم في انهاء الانقسام أو على الأقل التصدي لمفاعليه الكارثية ولملمة ما تبقى من أشلاء مشروع وطني نحو اعادة الاعتبار له أو على الأقل وقف العملية المنظمة للاجهاز على ما تبقى منه.

ويحتل دور الشخصيات المستقلة من مجتمع مدني وقطاع خاص وشخصيات اعتبارية وطنية دوراً مهماً في تلك المحاولات، ومن بينها محاولات جادة يجري التحضير لها لتوحيد الجهود في عمل فاعل.
وكانت هناك محاولات كثيرة وتجارب عدة لكنها لم تستطع تحقيق أي اختراق يذكر، ليس فقط في دفع الحوار بين طرفي الانقسام قدماً، بل في الاستجابة لمطالب المواطنين الحقيقية للدفاع عنها وتمكينهم، ووفر بعض تلك التجارب لبعض الأفراد متسعاً وحيزاً لتحيقيق لتحقيق حضور في المشهد السياسي والوطني من خلال التوظيف النفعي والشخصي لتلك التجارب بشكل بدا أنه نوع من الرشى السياسية عبر توظيف عدالة ووجاهة الفكرة وأسماء أعضاء فيها. بل إن بعضاً من رموز تلك التجارب يقولون عند فريق من المتخاصمين أن الفريق الآخر هو سبب المصيبة التي حلت بنا والخطاب نفسه يتكرر عند الفريق الآخر، ومن جهة ثانية مكررين متهمين، في أكثر من مناسبة، مصر بأنها هي من يحاصر الشعب الفلسطيني وكله يعكس “بلهاً” سياسيا مؤكداً ولا يمكن أن يشكل حال محايدة تستطيع القيام بدور ما في دفع الحوار قدماً.

وبقى عمل ذلك البعض موسمياً، يجتمع مع الدعوة لجلسة حوار بين المتخاصمين بحثا عن دور هنا أو دور هناك ولم تشكل حال من الاستمرارية تفرضها متطلبات الواقع، ولم يكن بالامكان لأعضاء كثر في تلك المحاولات تفسير هذا التوظيف لتلك المحاولات ولأسمائهم إلا بما قاله الإمام على كرم الله وجهه: “إذا رفعت أحداً فوق قدره، فلا تعجب إذا وضعك دون قدرك”.

إن التجارب المختلفة بحاجة إلى مراجعة جادة وفورية لتوحيد كل الجهود في إطار من العمل المنظم القادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين وتطلعاتهم وفي إطار من الاحترام والتقدير لكل الجهود.
إن الشخصيات المستقلة من مجتمع مدني وقطاع خاص وشخصيات اعتبارية تستطيع أن تلعب دوراً فاعلاً ومؤثراً لما لها من رصيد وطني وعمل مهني وانخراط في العمل العام، وبما تمثله من استقلالية وعدم انحياز لأي من المتخاصمين.

إن نقطة البدء في توحيد تلك الجهود تكمن في حقيقة أن الجميع مسكون بالهم الوطني العام وبأن الجميع حريص على انهاء ملف الانقسام وعلى إعادة الاعتبار للشعب والقضية وعلى الاستجابة لمطالب وهموم المواطنين في الدفاع عنها والعمل على تحقيقها.

وغني عن القول أن الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين من الشخصيات المستقلة ليسوا كلاً متجانساً، بل هم مختلفون سياسياً ومختلفون في الرؤى، بل إن بعضهم له مطامح شخصية، لكن ذلك كله، بادراك ووعي به، يشكل أساسا طبيعيا وضروريا لعمل فاعل يضم قطاعات وشرائح عدة مختلفة التوجهات والخلفيات.

إن الشخصيات المستقلة الموحدة تستطيع إذا ما اكتشفت مواطن القوة لديها أن تشكل حال فاعلة قادرة أن تحدث التأثير المطلوب لتحقيق الاختراق المنشود في ملف الانقسام والدفاع عن حقوق المواطنين وقضاياهم.

إن قدرة الشخصيات المستقلة على الوصول إلى حال موحدة وجامعة ومؤثرة ترتبط بالقدرة على تنظيم الاختلاف فيما بينها وعلى عدم تعظيم الطموح الشخصي أو الاجتماعي.

أن لا يتفق الأفراد مع بعضهم فذلك طبيعي وصحي، وتأكيد على سنة من سنن الطبيعة، فالأصل هو الاختلاف والنجاح الانساني يكمن في القدره على تنظيمه وان ينتقدك أحدهم فتلك نعمة لتكتشف صواب توجهاتك أو الحاجة لتجاوز ما يعتريها من ثغرات وأخطاء، لكن أن ينزلق النقاش منزلقاً منحطاً يسحب الشرعية من تحت أقدام من يختلف عنك وتعطيها لنفسك مستحضراً ومستنفراً موروثاً اجتماعياً كان أو جهويا من دون إجهاد النفس في الاستماع او في النقاش وكأنه من المحظور أن يبادر الفاعلون الاجتماعيون من المختلفين معك وعنك إلى ما يرونه خيراً للصالح العام، وكأن الولاية على أي مبادرة او فعل سياسي أو اجتماعي وقيادته يجب أن تبقى محتكرة من قبل نفر لاينظر للآخر إلا تابعاً أو أجيراً أو عاجزاً.

ولا نذكر الا بما يقوله الله تعالى في سورة الرعد “فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض”.

إننا إزاء محاولات خطيرة تبحث عن اكتشاف الخلاف حتى لو كان من نوع الخلاف الاجتماعي المحظور وتعظيمه بدل تنظيمه، وكأن الانقسام الحاصل غير كاف لنمده بعناصر أخرى تزيد من حدته ومن التوتر الاجتماعي والسياسي، بل إن الخطاب الذي يجري تداوله من قبل بعض مرضى النفوس هؤلاء يعكس تدهورا أخلاقيا وعبثاً اجتماعياً خطيراً، وصدق في توصيفهم الخطيب الروماني شيشرون عندما يقول إن هناك نوعاً من البشر كالذباب لاتقع عيونهم إلا على كل شيء قذر.

إن اقتراب موعد الانتخابات سيزيد من عمق أزمة النظام السياسي، إذا لم تتم في موعدها أو لم يتم التوافق على تنظيمها في أسرع وقت، كما أن اشتداد وطأة النتائج الكارثية للحرب الاسرائيلية على قطاع غزة وعدم الوفاء بإعادة إعماره في ظل عدم تحقيق أي اختراق أو تقدم يُذكر أو دور بحجم التحديات التي يواجهها الشعب الفلسطيني من قبل من أنيط بهم مهمة ذلك من مختلف مكونات العمل الوطني، يشكل فرصة مهمة للشخصيات المستقلة للقيام بدور فاعل ومؤثر وهو ما يستدعي عملاً دؤوباً ومخلصاً وموحداً ومتكاملاً مع ما تقوم به الفصائل والأحزاب وغيرها من المبادرات، والتطورات الاقليمية والدولية وما تمر به الأراضي الفلسطينية من تطورات متلاحقة.

مدير مركز الميزان لحقوق الانسان / غزة

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: