Posted by: mustaf2 | مايو 26, 2009

ثقافة العنف.

ثقافة العنف.
مصطفى إبراهيم
4/9/2007
أصابني الفزع والحزن والخوف، طفل في الرابعة عشرة من عمره يقتُل، يحمل مُسدس والده ويصوب على شخص أخر ويقتله. كيف استطاع إطلاق النار، وكيف حصل على مسدس؟ والده العاطل عن العمل، ويملك مسدساً. بكل بساطة وابتسامة خبيثة مرسومة على وجه والده، إنه أخذ بثأر شقيقه ابن الأربعة أعوام الذي قُتل قبل أربع أعوام.
طفل في الرابعة عشرة من عمره موقوف على تهمة القتل، موجود بين سجناء محكومين وموقوفين على تهم بالقتل، منهم محكوم بالإعدام، وأصبح نزيلاً في السجن، والده يبتسم فرحاً اخذ بثأر شقيقه، ويدعي انه استخدم مسدسه لينتقم لمقتل شقيقه. عندما قُتل شقيقه كان عمره عشر سنوات، علمه والده وربما والدته. كيف استطاعت ان تفرط بابنها بهذه السهولة أين حنانها وأمومتها وخوفها ألا تشتاق له، كيف تنام وهو ليس بحضنها إنه بحاجة إليها، ربما هناك خطا ما. كيف علموه أن يقتل؟ كيف استطاعوا ان يربوه و يزرعوا بداخله الحقد والكراهية و القسوة في هذه السن، كيف تملك الجرأة وقساوة القلب ليستطيع ان يقتل؟ كيف استطاعوا ان يقتلوا طفولته؟ ويخلقوا منه طفل قاتل! الطفل في الصف الثامن، ومكانه ليس هنا بل في المدرسة.
إنها ثقافة العنف والتحريض على القتل والكراهية والحقد على الأخر وعدم تقبله، ثقافة الكفر بالقيم والمبادئ والأخلاق. قيم العدالة والصدق وثقافة الحق وسيدة القانون. إنها غير موجودة لديهم. القتل عملية معقدة لا يستطيع إنسان عاقل وسوي ان يقوم بذلك، فقط إنسان مجرم متمرس ولو نفسياً. على الأقل، يقوم بمثل هذه الجريمة.
أن يقتل المرء ان يكون مجرماً، دائما هناك أسباب ومبررات للمجرمين ومن يقدمون على ارتكاب جرائمهم، والإنسان لا يُخلق مجرما، هذا الطفل لم يعرف الانتقام ولا يستطيع القتل، إنها تربية وتحريض وثقافة وجُبن الشخص الذي رباه على ذلك، هذا خطير جداً ويهدد ليس السلم الأهلي فقط، بل يدمر النسيج المجتمعي من خلال زرع ثقافة العنف والقتل في أطفالنا.
خلال السنوات العشر الأخيرة وقعت أحداث دراماتيكية خطيرة في حياة الفلسطينيين، ارتكبت جرائم قتل وخطف، لكنها كانت قليلة العدد في البداية، ولم يكن في الأراضي الفلسطينية الجريمة المنظمة، ولكن الأمر الخطير في الساحة الفلسطينية هو ما عرف بظاهرة الانفلات الأمني، واستشرائها وأخذ القانون باليد على خلفيات وأسباب مختلفة، من جماعات مكلفة بإنفاذ القانون، وعائلات وغيرها من الجماعات المسلحة التي استغلت غياب سلطة القانون وضعف السلطة الفلسطينية وأجهزتها، وقعت جرائم قتل خطيرة ما عزز من ظاهرة ثقافة العنف في المجتمع الفلسطيني.
وظهرت أنماط سلوكية مخيفة من قتل وخطف مواطنين وموظفين مدنيين وأمنيين وصحافيين وأجانب وغيرها من السلوكيات، إلا ان وصل الفلسطينيون إلى مرحلة الاقتتال بين حركتي فتح وحماس.
الاقتتال بين الحركتين أوقع مئات القتلى وآلاف الجرحى والمعاقين واستخدام طرفي النزاع السلاح بصورة بشعة وكريهة، عززت ثقافة العنف والقتل والانتقام والثأر والتحريض على ذلك، ولم يبق محرمات لديهم، وفقد المئات من الجرحى أطرافهم في عمليات انتقام وعقاب بشكل بشع ومخيف ومرعب. وصولاً إلى مرحلة الحسم العسكري في حل خلافاتهم، التي كانت نتاج ثقافة التحريض على العنف والقتل المتبادل واستخدام الصراع السياسي لتنفيذ جرائم قتل خطيرة جداً.
أن يستطيع طفل القتل هذا مخيف ويزلزل كيان الإنسان وآدميته، طفل يُجرد من طفولته وتعليمه على استخدام السلاح، ويُحرض على الكراهية والانتقام والوصول به إلى مرحلة القتل، شيء لا يصدق، هل وصل الفلسطينيون إلى مرحلة اللاعودة في قيمهم وأخلاقهم؟ لم يبق وازع ديني او وطني وأخلاقي، بدلاً من تربية الأطفال على ثقافة التسامح وتقبل الأخر، يربونهم على الكراهية والحقد وزرع ثقافة العنف القاتلة والمقيتة.
العنف في حياة الفلسطينيين يأخذ أشكالاً وأبعادا مختلفة، ولم يتوقف عند القتلى والجرحى والمختطفين وتعذيبهم. والاستيلاء على مقرات السلطة بالحسم العسكري وما تلا ذلك في الساحة الفلسطينية من توابع الزلزال، من تحريض متبادل على العنف والتراشق في كل شيء واستخدام جميع الوسائل والأدوات، بطريقة تثير الحزن والغضب، وما المناكفات السياسية، من إقصاء وظيفي، وفصل عشرات الآلاف من الموظفين الحكوميين من عملهم وإيقاف رواتبهم، وحرق المنازل، ومنع طبع وتوزيع الصحف، واعتقال الصحافيين ومنعهم من التعبير سواء بالكلمة أو بالصورة، والاعتداء عليهم ومنعهم من ممارسة عملهم بحرية، ومنع التجمع السلمي والتظاهر، واعتقال المواطنين على خلفية سياسية وتعرضهم للتعذيب والضرب ومعاملتهم بطريقة مهينة وحاطه بالكرامة، وإغلاق مؤسسات خيرية وصحافية ونقابية، وقطع أرزاق الناس، والاعتداء بالضرب عليهم في الشوارع العامة، وفي المعتقلات، كل هذا عنف مقيت تستخدمه السلطة، و المعارضة، هي تربة خصبة للانتقام والقتل واستشراء العنف بين الفلسطينيين.
ثقافة العنف في المجتمع الفلسطيني تزعزع نسيجه وتضرب كيانه وجذوره وتهددها بالذوبان. وتعزيز ثقافة العنف والانتقام والأخذ بالثأر لم يأت من فراغ، وبدأت ممارسته مع قدوم السلطة وزاد حجمه في العشر سنوات الأخيرة. الفلسطينيون لم يعملوا على نبذ العنف بالحوار وبالطرق الديمقراطية والسلمية، بل يعززونه بالتحريض من خلال الصراع الدائر بينهم.
على الفلسطينيين ان يعملوا معاً من اجل إعادة احترامهم لقضيتهم وعدالتها، والحفاظ على كنزهم الاستراتيجي الأطفال بالابتعاد بهم عن الصراع السياسي على السلطة، وتربيتهم على التسامح وقبول الأخر، واحترام الرأي الأخر وإعادة الثقة، والاعتبار لأنفسهم ولأطفالهم ونشر ثقافة التسامح وليس ثقافة العنف، والتحريض على الأخذ بالثأر والانتقام.

Mustafamm2001@yahoo.com

– انتهى-

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: