Posted by: mustaf2 | مايو 26, 2009

باب الحارة و دور المرأة المفقود.

باب الحارة و دور المرأة المفقود.
مصطفى إبراهيم
18/10/2007
المسلسل السوري باب الحارة الذي عُرض في شهر رمضان شد الفلسطينيين جميعا لمتابعته، وانتظار حلقاته بشغف شديد، لبساطة العمل الفني، أو ربما للخصائص الاجتماعية، والثقافية، واللغوية المتشابهة، والمشتركة بين بلاد الشام هي السبب وراء ذلك، أو لأنه تناول القيم الإنسانية والاجتماعية التي كانت سائدة بشكل بسيط، وشهامة وشجاعة أبناء البلد في بعض أجزائه، والتكافل والتضامن بين سكان الحارة، أو ربما لأن المسلسل تناول في جزء منه مشاركة بعض سكان الحارة في المقاومة الفلسطينية ضد الانجليز في عشرينات القرن الماضي وتقديم الدعم لها، والتواصل بين بلاد الشام التي كانت لا تعرف الحدود.
أنا لست ناقدا فنيا، لكن ما شدني والكثيرين أيضاً، دور المرأة المفقود، والمهانة، و الإهانة والانتهاك، والقمع الواضح، والصريح لها ولدورها في المجتمع، الذي اقتصر على نشوب الخلافات النسائية بينهن والثرثرة، والمؤامرات والمكائد لتخليص ثارات تافهة بين بعضهن، خاصة ابنة شقيق الزعيم التي صورها المسلسل على أنها شيطان يزرع الشر في المكان، ومنافستها لأحدى النساء وهي زوجة ميسور الحال “العطار” الذي كان يسمى طبيب الحارة.
واقتصر دور المرأة على تواجدها في المطبخ وغرفة النوم. وطاعة زوجها، ووالدها، وشقيقها بشكل أعمى، وعدم توجيه الأسئلة وغياب المشاركة في تدبير أمور البيت واتخاذ القرار، والمطلوب منها أن تسأل زوجها قبل أن يذهب للعمل صباحا ماذا يريد أن يأكل على الغذاء؟ وماذا يحب أن تجهز له من أنواع الطعام؟ وتقضي يومها كله في تحضير الطعام وتنظيف البيت والقيام بالإعمال المنزلية، وسلب دورها الاجتماعي والمقرر في البيت وخارجه.
ولم تقصر النساء الأمر على أنفسهن فقط بل أنهن كن يربين بناتهن على تعلم أمور البيت والطبخ والنفخ، ولم يعالج المسلسل مشاهد غير تلك التي كانت تظهر فيها المرأة في هيئة “خادمة” فقط، وتقضي كل يومها في المطبخ، وعليها انتظار ابن الحلال للزواج، والبنات اللاتي كن يقمن بالخدمة في البيت والتنظيف لم يتناول أمورهن الحياتية الأخرى، ولم يظهر إذا كن تلقين تعليمهن أم لا، ولم يرد ذلك على الإطلاق، وما ظهر من احتجاج إحدى بنات “العطار” أو طبيب الحارة على عملها المضني، والمتعب طوال اليوم في المطبخ، أو على طلاق إحداهن هو إهانة، واحتجاجهن على تطليق شقيقهن “الخايب” زوجته لأنها أفشت سر عائلته لوالدتها، وعيب عليهن السؤال والمعرفة، واحتجاجهن يجب أن يبقى سراً بينهن وممنوع أن يسمعه سواهن.
لم يكن للمرأة في الحارة وهي من حواري العاصمة دمشق أي دور غير تواجدها في المنزل، لم يذكر المسلسل في أحداثه إن قامت المرأة بالواجب والدور الاجتماعي، واقتصر ذلك على النساء الميسورات الحال، أو النضالي والمشاركة في جمع التبرعات للمقاومين مثلاً، وهذا عكس ما كان يجري في القرى الشامية كلها في “فلسطين ولبنان وسورية” حيث كان للمرأة دور كبير في مقاومة الاحتلالين الفرنسي والانجليزي، في المدينة والقرية، ويحدثنا أجدادنا عن دور المرأة المميز في القرى خاصة فلسطين، من خروجها للعمل مع الرجل، واتخاذ القرارات والمشاركة فيها في البيت وفي العائلة، والمشاركة في الهم العام.
وأكثر المشاهد حزناً وامتهاناً لدور المرأة عندما شب الخلاف بين العطار وزوجته، ” وهذا يحدث في أيامنا هذه” وزل لسانها بالخطأ بحقه، لم ينتظر واستخدم حقه كرجل في الانتصار لكرامته في أن طلقها على الفور، وتجلى القمع بصورة مهينة للمرأة عندما قام شقيقها بجرها وسحبها بالقوة وأمام توسلات أبنائها وبناتها من منزل زوجها.
والأكثر سخرية هو أن هذه المرأة هي شقيقة العقيد زعيم الحارة، الرجل المقاوم الذي كان يجمع المال من سكان الحارة لشراء السلاح وإرساله بنفسه للثوار في فلسطين، وينتصر للحق ويوزع العطايا والصدقات على السكان، الذي عندما عرف بطلاق شقيقته لم يتصرف كزعيم وينتصر لصديقه ورفيقه في دعم المقاومة، بل ظل ينتظر ولم يقوم بدوره وسؤال شقيقته عن سبب الخلاف، ولم يعمل على راب الصدع مع زوجها، انتصر لها لأنها شقيقة الزعيم وكيف وقع ذلك معها، وهي “مرضية” من قبل والديها، وليس لأنها امرأة.
نتذكر سنوات الانتفاضة الأولى وروح التضامن والتكافل بين الفلسطينيين في حواري المخيم والقرية والمدينة، ومشاركة النساء في الانتفاضة ضد الاحتلال بما كن يملكن من أدوات وقوة لتقديم العون والمساعدة للشباب والأطفال، وإخفائهم عن عيون جنود الاحتلال، والدفاع عنهم، والاشتباك مع قوات الاحتلال عندما كان يعتقل احدهم وتخليصه إن استطعن، ومشاركتهن في صنع القرار داخل منازلهن وفي أسرهن، والمشاركة في جميع مناحي الحياة، وتجسيدهن روح التضامن والتكافل سواء في فترات حظر التجول الطويلة، أو المشاركة في زيارة بيوت العزاء والجرحى والمعتقلين، وتربية أبنائهن وغرس روح المقاومة فيهم.
أوجه الشبه كثيرة في المسلسل بين الحارتين السورية، والفلسطينية اللتين فتحتا أبوابيهما على مصراعيها، في غرس القيم الإنسانية النبيلة من بث روح المشاركة في المقاومة، وقيم التضامن والتكافل التي نحن بحاجة إليها ألان.
إلا أن ما يجب إعادة النظر فيه في هو ما تعرضت له المرأة من اضطهاد، وقمع، وإهانة، وقعت بحقها خلال تلك الحقبة الزمنية التي شوهت معالمها ما أوقع ظلماً إضافياً على المرأة من تنكر لدورها المميز الذي لعبته حتى وهي محجبة ومخفية خلف جدران منزلها، وفي ظل ظروف اجتماعية أكثر تخلفاً، وتناولها بهذا الشكل المهين هو تعزيز وتعميق لثقافة القمع ضد المرأة، والاستمرار في التنكر لحقوقها ودورها، خاصة أن تأثيره شديد على جميع فئات المجتمع الفلسطيني، بالذات الأطفال. مسلسل باب الحارة ابرز دور المرأة السلبي وأفقدها دورها الحقيقي، وهي لم تكن مستلبة أو مسلوبة الإرادة كما صورها المسلسل بهذا الشكل. فهل يعيد الجزء الثالث من المسلسل في رمضان القادم الاعتبار لها أم تراه سيكرس صورة المرأة النمطية؟!!!

Mustafamm2001@yahoo.com
– انتهى-

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: