Posted by: mustaf2 | مايو 26, 2009

القرية البدوية عشر سنوات في انتظار الموت.

القرية البدوية عشر سنوات في انتظار الموت.
مصطفى إبراهيم
30/3/2007
محمد أبو عتيق قتل طفله البالغ من العمر عام واحد ووالدته نصرة، ذات السبعين عاما، في كارثة تدفق مياه الصرف الصحي جراء انهيار ساتراً ترابياً لأحد أحواض الصرف الصحي المقام على ارتفاع نحو 30 مترا عن مستوى القرية البدوية شمال مدينة بيت لاهيا، ويبعد عنها نحو 500 مترا. في الثامن والعشرين من شهر آذار/ مارس الجاري. أبو عتيق قال: نجونا مرتين من القذائف الصاروخية وتدمير منزلنا فوق رؤوسنا من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، لنُقتل غرقاً وطمراً تحت الرمال التي جرفتها مياه الصرف الصحي وجرعتنا إياها السلطة الفلسطينية.
أثناء الحديث مع أبو عتيق وصل ثلاثة من أطفاله الذين نجوا من الكارثة إلى المكان من وسط المياه العادمة والدموع في عيونهم ولم يعيروا المجودين في المكان انتباهاً، ولم ينطقوا بأي كلمة. فقط سمع الحاضرون صوت بكاؤهم، وقد عادوا من المدرسة ولم يعرفوا عن حجم الكارثة التي أصابت عائلتهم من مقتل شقيقهم الرضيع وجدتهم، وأخذوا في البحث في ما تبقى من البيت المقام من القش والصفيح، الذي لم يتبقَّ منه سوى السقف المغطى بالنايلون إذ طمرته الرمال بالكامل. لم يعرف أحد منا ما بداخلهم وما يدور في خلدهم، ربما كانوا يبحثون عن كتبهم ودفاترهم وألعابهم أو عن أشقائهم الذين لم يجدوهم في العراء.
في العام الماضي قررت سلطة المياه الفلسطينية ومجلس الخدمات المشترك لبلديات محافظة شمال غزة إقامت حوض صرف صحي جديدا في المنطقة الشمالية الشرقية للقرية البدوية، لان الأحواض السبعة الأخرى المحيطة بالقرية امتلأت ولا تستوعب ضخ مزيد من المياه العادمة، رغم علم هذه الجهات الخطر الكبير الذي يشكله إنشاء حوض جديد على سكان القرية. احتجاج سكان القرية وأبراج الندى القريبة من الحوض لم يقنع الجهات المختصة بالخطر الذي يشكله وجود الحوض في مكان مرتفع، وكان هناك وعدا أن الحوض سيكون مؤقتا لنهاية شهر فبراير/ شباط الماضي.
المشهد مأساوي وإنساني، المواطنون الذين استطاعوا الهرب والنجاة من الفيضان الذي جرف الأتربة وكل شيء في طريقه من مواطنين وسيارات وعربات وحيوانات وطيور وأراض زراعية أصبحوا من دون مأوى بعد أن نزحوا عن بيوتهم التي أصبحت غير صالحة للسكن، وكأن قدرهم توافق مع طبيعة البدو أن لا يستقروا في مكان، حتى بعد أن بحثوا عنه قبل عشر سنوات عندما أجبروا على الرحيل من مكان إقامتهم شرق مخيم جباليا. فقد هؤلاء الضحايا كل شيء من أثاث ووثائق وملابس، وهرعوا جميعاً إلى الناحية الشرقية من القرية في العراء التماساً للأمان، وخوفا من انهيار أحواض أخرى، بعد تحذير الدفاع المدني والشرطة البحرية من انهيار الحوض الرئيس المحيط بالقرية من الناحية الغربية.
احد المواطنين الذي نسي ابنته البالغة من العمر خمس سنوات في البيت وصف المشهد قائلا: سمعت صوتا هادرا ومخيف ونظرت خلفي فشاهدت المياه تتدفق مسرعة كالرياح الغاضبة، لا اعرف كيف سمعتني زوجتي عندما صرخت عليها لتخرج بسرعة هي والأولاد الصغار من دون سن المدرسة، إذ كان البقية في مدارسهم، وفقط هي معجزة من الله التي أنقذتنا من الغرق أو الطمر تحت الأتربة.
القتلى من الحلقة الأضعف في المجتمع: أطفال ونساء مسنات. حيث قتلت امرأتان مسنتان وثلاثة أطفال، وأصيب عشر نساء، وثلاثة أطفال. الكارثة مخيفة، وتذكرنا بناقوس الخطر الذي كان يدق منذ عشرة سنوات محذرا المسؤولين الذين لم يتوجه أي منهم للمكان باستثناء وزير الداخلية الذي تعرض بدوره لهجوم من المواطنين الغاضبين من هذا السيناريو الأسوأ. عشرات المنازل تضررت بشكل لا يقبل التأهيل، في حين أن مئات المنازل تضررت بشكل جزئي، إذ أن الكثير من البيوت مبنية من الحجر ومكونة من طبقة أرضية مسقوفة بالاسبست، وعدد كبير من منها مبنية من الصفيح، والقش، وجزء منها بيوت مؤقتة وبيوت شعر.
الآليات التي أرسلها عدد من بلديات قطاع غزة وفرق الدفاع المدني والشرطة البحرية، والمتطوعين من المواطنين استمرت في العمل حتى ساعة متأخرة من الليل، بحثاً عن مواطنين طمرتهم الأتربة ولم يعرف مصيرهم.
المواطنون لم يجدوا من السلطة أي معونة. وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطيين “أنوروا” قدمت مساعدة فورية قوامها ثلاثمائة خيمة لإيواء العائلات المنكوبة في حين أن القرية كانت بحاجة إلى خمسمائة خيمة، المنكوبين باتوا ليلتهم في العراء والخيام، ولا يعلم أحد متى سيعودون إلى منازلهم. في اليوم التالي قامت مؤسسات المجتمع المدني المحلي والدولي بتقديم مساعدات إغاثية عاجلة لهم.
على رغم التحذيرات والمناشدات من المواطنين، إلا أن عملية إنشاء حوض الجديد الذي أنهار أحد سواترة استمرت وتم إنشاؤه، ما أدى إلى وقوع الكارثة بحقهم، الكارثة بدأت عندما أقامت السلطة الفلسطينية في العام 1997، القرية التي لا تتمتع بأي صفة من صفات القرية إلا الاسم فقط، وأمنت سكناً لها عن طريق التهجير القسري لمجموعة من المواطنين البدو الذين كانوا يسكنون في شرق مخيم جباليا منذ عقود. أقيمت القرية بجوار أحواض الصرف الصحي المقامة على الأجزاء الشرقية الشمالية من مدينة بيت لاهيا، ومنذ ذلك الوقت وسكان قرية أم النصر “البدوية” البالغ عددهم 5000 ألاف نسمة، يتعرضون للأذى وينتظرون الموت.
مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني خاصة منظمات حقوق الإنسان حذرت في حينه من ترحيل المواطنين إلى تلك المنطقة، نظراً لما تشكله الأحواض من خطر على حياتهم بسبب انتشار الأمراض والحشرات و الروائح الكريهة، وتسرب مياه الصرف الصحي إلى الخزان الجوفي الأكبر في قطاع غزة. حدثت فيضانات أكثر من مرة غرق الأطفال في الأحواض على مدى السنوات الماضية. وقد دفع المواطنين الدم بالاحتجاجات والشكوى والمناشدات من أجل الحصول على الخدمات الأساسية والضرورية التي تمكنهم من العيش بكرامة في منطقة تفتقر ولا تزال إلى الحد الأدنى الضروري لأي إنسان للعيش بكرامة وتوفير سبل الحياة المحترمة، والسكن المناسب والملائم.
الحكومة الفلسطينية تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية عن الكارثة التي أصابت المواطنين في القرية، إذ أن إنشاء حوض جديد على مساحة 20 دونما، والاستمرار في ضخ مياه الصرف الصحي، مع علم المهندسين أن ارتفاع منسوب المياه العادمة، وعدم توفير وسائل الحماية اللازمة للحوض قد يؤدي إلى وقوع كارثة إذا ما تصدعت السواتر. وإذا صدقت الرواية التي يتناقلها المواطنين عن سرقة الرمال من المنطقة المحيطة بالحوض ما سبب انهيار الساتر الغربي المواجه للقرية، فإن ذلك كارثة وجريمة أخرى، بالإضافة لجريمة إقامة الحوض. غير أن ذلك لا يعفي الحكومة من المسئولية، إذ لم تقم بواجباتها المتعلقة بحماية المواطنين والمرافق العامة الأساسية.
الحكومات الفلسطينية السابقة تتحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن إقامة القرية في منطقة تعتبر غير صالحة للسكن ولا تتوفر فيها أي مقومات لحياة البشر، عدا عن الأخطار التي أصابت المواطنين على مدار العشر سنوات الماضية. وقد تأخرت الحكومات السابقة كثيرا في معالجة المشكلة ونقل الأحواض إلى منطقة أخرى، و قام المواطنين قبل العام 2000 بخطوات احتجاجية ونفذوا إضرابات للضغط على الحكومات، التي تحركت متأخرة لتنفيذ مشروع نقل الأحواض إلى المنطقة الشرقية.
الدولة العبرية التي عرضت المساعدة على الفلسطينيين بعد الكارثة تتحمل المسؤولية بسبب تأخيرها لسنوات طويلة الحلول التي كان من شأنها تجنب الكارثة على الرغم من توفر الخطط والتمويل اللازمين، و استهدافها للطوا قم الفنية الفلسطينية والدولية ومنعها من العمل في المشروع الجديد، وهي المسؤولة عن قتل بعض العاملين في المشروع الذين تعرضوا لإطلاق النيران والقذائف المدفعية أكثر من مرة، وتتحمل المسؤولية عن تأمين سلامة وأمن الفرق الفنية والهندسية والمهنية العاملة، والمشرفة، وكذلك المسؤولية عما سببته ولا تزال من معاناة وانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان الفلسطيني واستهدافها بالقصف للمنطقة المقام عليها الأحواض الجديدة، وعن فرض الحصار المالي والاقتصادي وإغلاق المعابر ومنع دخول المواد اللازمة لتنفيذ المشروع منذ الانسحاب الإسرائيلي الأحادي الجانب من قطاع غزة في العام 2005.
الفلسطينيون ليسوا بحاجة لكوارث من أجل وضع الحكومة الفلسطينية في اختبار، إذ أنهم اعتادوا على كوارث، الممارسات الإسرائيلية، بالإضافةً للكارثة الكبرى المتمثلة في التدهور الخطير في الوضع الأمني، والاقتتال الداخلي الذي لا يزال يضرب في نسيج المجتمع الفلسطيني ويهدد كيانه، بينما تفتقر الحكومة لأية خطط لمواجهة ذلك.
النيابة العامة مطالبة بفتح تحقيق فوري وشفاف في الحادثة، يشمل جميع الأطراف المسئولة عن إقامة الحوض. وبالنظر إلى حجم الكارثة المخيف، على الحكومة الفلسطينية أن تعمل فوراً على تقديم المساعدات الإنسانية الطارئة، و إيجاد أماكن إيواء ملائمة وآمنة للمواطنين الذين فقدوا أماكن سكناهم، لنحو 3000 مواطن تشردوا بسبب الأضرار الجسيمة التي أصابت منازلهم، وكذلك السكان الآخرين الخائفين من حدوث تصدعات وانهيارات في منازلهم بعد أن أغرقتها مياه الصرف الصحي.
المجتمع الدولي الممول للمشروع، والذي ساهم في فرض الحصار المالي والاقتصادي على الشعب الفلسطيني، مطالب بممارسة الضغط على الدولة العبرية وضمان إيفائها بالتزاماتها من خلال السماح بالبدء في مشروع نقل الأحواض إلى المنطقة الشرقية لمحافظة شمال قطاع غزة، وتقديم مساعدات فورية طارئة، من أدوات وتقنيات، وأدوية وأغذية. الكارثة وقعت، وهناك أسباب لها، وأشخاص مسئولين عنها، وواجبنا الأخلاقي تجاه الضحايا أن نحاسب هؤلاء، ونصحح الوضع الذي طال أمده، وأن نمد أيدي العون لهم.

– انتهى-

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: